الشيخ محمد رشيد رضا
197
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( أسلوب القرآن الخاص وحكمته واعجازه به ) لو أن عقائد الاسلام المنزلة في القرآن من الايمان باللّه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء ودار الثواب ودار العقاب جمعت وحدها مرتبة في ثلاث سور أو اربع أو خمس مثلا ككتب العقائد المدونة - ولو أن عباداته من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والأذكار وضع كل منها في بضع سور أيضا ككتب الفقه المصنفة - ولو أن آدابه وحكمه وفضائله الواجبة والمندوبة ، وما يقابلها من الرذائل والأعمال المحرمة والمكروهة ، أفردت هي وما يقتضيه الترغيب والترهيب من المواعظ والنذر والأمثال الباعثة لشعوري الخوف والرجاء في بضع سور أخرى ككتب الاخلاق والآداب المؤلفة - ولو أن قواعده التشريعية وأحكامه الشخصية والسياسية والحربية والمدنية وحدوده وعقوباته التأديبية رتبت في عدة سور خاصة بها كأسفار القوانين الوضعية - ثم لو أن قصص النبيين المرسلين وما فيها من العبر والمواعظ والسنن الإلهية سردت في سورها مرتبة كدواوين التاريخ - لو أن كل ما ذكر وما لم يذكر من مقاصد القرآن التي أراد اللّه بها اصلاح شؤون البشر جمع كل نوع منها وحده كترتيب أسفار التوراة التاريخي الذي لا يعلم أحد مرتبه أو كتب العلم والفقه والقوانين لفقد القرآن بذلك أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول للغاية التي انتهت إليها ، وهو التعبد به واستفادة كل حافظ للقليل من سوره كثيرا من مسائل الايمان والفضائل والاحكام والحكم المنبثة في جميع السور لان السورة الواحدة لا يوجد فيها في هذا الترتيب إلا مقصد واحد من تلك المقاصد ، وقد يكون أحكام الطلاق أو الحيض فهو يتعبد بها ولا شك انه يملها ، وأما سوره المنزلة ففي كل منها حتى أقصرها عدة مسائل من الهداية فترى في سورتي الفيل وقريش ( المتعلقة إحداهما بالآخرى حتى في الاعراب ) ذكر مسألتين تاريخيتين قد جعلتا حجة على مشركي قريش فيما يجب عليهم من توحيد اللّه وعبادته بما من عليهم من عنايته بحفظ البيت الذي هو مناط عزهم وفخرهم وشرفهم وتأمين تجارتهم وحياتهم - ولفقد بهذا الترتيب أخص أنواع إعجازه أيضا